محمد علي سلامة

147

منهج الفرقان في علوم القرآن

وأما قول من قال أن الصحابة رضى اللّه عنهم هم الذين اصطلحوا على الرسم المذكور فلا يخفى ما في كلامه ، لأن القرآن العزيز كتب في زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين يديه على هيئة من الهيئات وحينئذ فلا يخلو ما اصطلح عليه الصحابة رضوان اللّه عليهم ، إما أن يكون هو عين الهيئة أو غيرها . فإن كان عينها بطل الاصطلاح لأنه اختراع وابتداع وسبقية التوقيف تنفى ذلك وتوجب الاتباع . فإن نسب اتباعهم حينئذ للاصطلاح كان بمنزلة من قال إن الصحابة اصطلحوا على أن الصلوات خمس وعلى أن عدد الركعات مثلا أربع ، وهذا بعيد كل البعد عن الاصطلاح بل هو عين الاتباع . وإن كان ما اصطلحوا عليه غير الهيئة التي كانت بين يديه صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يصح ذلك لوجهين : أولهما : نسبة الصحابة وأعلام الهدى إلى مخالفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك محال ، لما تقدم من أننا أمرنا باتباعهم فلو كانوا مخالفين لما أقره الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لكنا مأمورين باتباعهم وفي الوقت عينه نحن مأمورون باتباع سنته صلّى اللّه عليه وسلّم فيلزم الجمع بين النقيضين وهو محال . ثانيهما : أن سائر الأمة من الصحابة وغيرهم أجمعوا على أنه لا يجوز أن يزاد في القرآن حرف ولا أن ينقص منه حرف ، والكتابة أحد الوجودات الأربع ، وما بين الدفتين كلام اللّه فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بالكتابة على هيئة أو قرر الكتابة على هيئة ، والصحابة خالفوه في ذلك لزم أنهم تصرفوا في القرآن من جهة أحد وجوداته الأربعة بالزيادة والنقصان ويكون بذلك قد وقعوا فيما أجمعوا عليه هم وغيرهم على أنه لا يحل لأحد فعله . ويلزم أيضا تطرق الشك إلى جميع ما بين الدفتين لأننا إذا جوزنا أن تكون فيه حروف زائدة على ما في علم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى ما عنده وأنها ليست بوحي ولا من عند اللّه ولم نعلمها بعينها شككنا في الجميع . ولئن جوزنا لصحابي أن يزيد في كتابته حرفا ليس بوحي لزمنا أن نجوز